Follow us Youtube Rss Twitter Facebook
  #1  
قديم 01Nov2013, 01:18
أبوبكر بن يوسف الشريف أبوبكر بن يوسف الشريف غير متواجد حالياً
حرسه الله
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
الدولة: ليبيا .. طرابلس
المشاركات: 2,863
افتراضي ۞ تعلم تحمل أذى الآخرين ۞

۞ تعلم تحمل أذى اﻵخرين ۞

قال شيخ الأسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :
يُعِينُ العبدَ على هذا الصبر عدّةُ أشياءَ :
أحدها: أن يشهدَ أن الله سبحانه وتعالى خالقُ أفعالِ العباد، حركاتِهم وسَكَناتِهم وإراداتِهم، فما شاءَ الله كان، ومالم يشأ لم يكن، فﻼ يتحرك في العالم العُلْوِيّ والسّفليّ ذرَّة إﻻّ بإذنه ومشيئتِه، فالعباد آلة، فانظر إلى الذي سَلَّطَهم عليك، وﻻ تَنظُرْ إلى فِعلِهم بكَ، تَسْتَرِحْ من الهمّ والغَمِّ .
الثاني: أن يَشْهَد ذُنُوبَه، وأنّ الله إنما سلَّطهم عليه بذنبه، كما قال تعالى : } وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) { ) سورةالشورى : ( 30 .
فإذا شهد العبدُ أن جميع ما يناله منْ المكروه فسببُه ذنوبُه، اشتغلَ بالتوبة واﻻستغفار من الذنوب التي سلَّطهم عليه بسببها ، عن ذَمِّهم ولَومِهم والوقيعةِ فيهم .
وإذا رأيتَ العبدَ يقع في الناس إذا آذَوْه، وﻻ يَرجع إلى نفسِه باللوم واﻻستغفار، فاعلمْ أن مصيبتَه مصيبةٌ حقيقية، وإذا تاب واستغفر وقال : هذا بذنوبي، صارتْ في حقّهِ نعمةً .
قال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – كلمةً من جواهرِ الكﻼم : ﻻ يَرجُوَنَّ عبدٌ إﻻّ ربَّه، وﻻ يَخافَنَّ عبدٌ إﻻّ ذنبَه . ورُوِي عنه وعن غيرِه : ما نزلَ بﻼءٌ إﻻّ بذنبٍ، وﻻ رُفِع إﻻّ بتوبة .
الثالث: أن يشهد العبدُ حُسْنَ الثواب الذي وعده الله لمن عَفَا وصَبَر، كما قال تعالى : } وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ
عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ ﻻ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ { (40) ) سورة الشورى : (40 .
ولمّا كان الناسُ عند مقابلة اﻷذى ثﻼثة أقسام : ظالم يأخذ فوق حقّه، ومقتصدٌ يأخذ بقدرِ حقِّه، ومحسنٌ يعفو ويترك حقَّه، ذَكَر اﻷقسامَ الثﻼثة في هذه اﻵية، فأولهاللمقتصدين، ووسطها للسابقين، وآخرها للظالمين .
ويشهد نداءَ المنادي يوم القيامة : “إﻻَ لِيَقُم مَن وَجَب أجرُه على الله (1) ” ، فلا يَقُمْ إﻻّ من عفا وأصلح.
وإذا شهِدَ مع ذلك فوتَ اﻷجر باﻻنتقام واﻻستيفاء، سَهُلَ علمِه الصبر والعفو.
الرابع: أن يشهد أنه إذا عَفا وأحسنَ أورثَه ذلك من سﻼمةِ القلب ﻹخوانه، ونَقائِه من الغِشّ والغِلّ وطلبِ اﻻنتقام وإرادةِ الشرّ، وحصَلَ له من حﻼوة العفو ما يزيد لذّتَه ومنفعتَه عاجﻼً وآجﻼً، على المنفعة الحاصلة له باﻻنتقام أضعافًا مضاعفةً، ويدخل في قوله تعالى : } والله يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ (134) { ) سورة آل عمران : (134 ، فيصير محبوبًا لله، ويصير حالُه حالَ من أُخِذَ منه درهمٌ فعُوضَ عليه ألوفًا من الدنانير، فحينئذٍ يَفرحُ بما منَّ الله عليه أعظمَ فرحًا يكون .
الخامس: أن يعلم أنه ما انتقم أحد قَطُّ لنفسه إﻻّ أورثَه ذلك ذُﻻًّ يجده في نفسه، فإذا عَفا أعزَّه الله تعالى، وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق حيث يقول : “ ما زاد الله عبدًا بعَفْوٍ إﻻّ عزًّا (2) ” .
فالعزّ الحاصل له بالعفو أحبّ إليه وأنفع له من الَعزّ الحاصل له باﻻنتقام، فإنّ هذا عِزٌّ في الظاهر، وهو يُورِث في الباطن ذُﻻًّ، والعفوُ ذُلٌّ في الباطن، وهو يورث العزَّ باطنًا وظاهرًا .
السادس: وهي من أعظم الفوائد – : أن يَشهدَ أن الجزاء من جنس العمل، وأنه نفسه ظالمٌ مذنب، وأنّ من عَفا عن الناس عَفَا الله عنه، ومن غَفَر لهم غَفَر الله له . فإذا شَهِدَ أن عفوه عنهم وصفحَه وإحسانَه مع إساءتِهم إليه سببٌ ﻷن يجزيه الله كذلك من جنس عمله، فيعفو عنه ويصفح، ويُحسِن إليه على ذنوبه، ويَسْهُل عليه عفوُه وصبرُه، ويكفي العاقلَ هذه الفائدةُ .
السابع: أن يَعلم أنه إذا اشتغلتْ نفسُه باﻻنتقام وطلب المقابلة ضاعَ عليه زمانُه، وتفرَّقَ عليه قلبُه، وفاتَه من مصالحِه ماﻻ يُمَكِن استدراكُهُ، ولعلّ هذا أعظم عليه من المصيبة التي نالتْه من جهتهم، فإذا عفا وصَفحَ فَرغَ قلبُه وجسمُه لمصالحه التي هي أهمُّ عنده من اﻻنتقام .
الثامن: أن انتقامَه واستيفاءَه وانتصارَه لنفسِه، وانتصارَه لها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتقمَ لنفسِه قَطُّ، فإذا كان هذا خيرَ خلق الله وأكرمَهم على الله لم يَنتقِمْ لنفسِه، مع أن أَذَاه أَذَى الله، ويتعلّقُ به حقوق الدين، ونفسه أشرف اﻷنفُس وأزكاها وأبرُّها، وأبعدُها من كلّ خُلُقٍ مذمومٍ، وأحقُّها بكل خُلُقٍ جميلٍ، ومع هذا فلم يكن يَنتقِم لها، فكيف يَنتقِمُ أحدنا لنفسِه التي هو أعلم بها وبما فيها من الشرور والعيوب، بل الرجل العارف ﻻ تُساوِي نفسُه عنده أن ينتقم لها، وﻻ قدرَ لها عنده يُوجِبُ عليه انتصارَه لها .
التاسع: إن أُوذِيَ على ما فعلَه لله، أو على ما أُمِرَ به من طاعتِه ونُهِي عنه من معصيتِه، وجبَ عليه الصبرُ، ولم يكن له اﻻنتقام، فإنّه قد أوذِي في الله فأجرُه على الله . ولهذا لمّا كان المجاهدون في سبيل الله ذهبتْ دماؤهم وأموالُهم في الله لم تكن مضمونةً، فإن الله اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، فالثمن على الله ﻻ على الخلق، فمن طلبَ الثمنَ منهم لم يكن له على الله ثمنٌ، فإنه من كان في الله تَلَفُه كان على الله خَلَفُه، وإن كان قد أُوذِي على مصيبة فليَرجعْ باللومِ على نفسِه، ويكون في لَومِه لها شُغْلٌ عن لَومِه لمن آذاه، وإن كان قد أُوذِي على حظّ فليُوطِّن نفسَه على الصبر، فإنّ نيلَ الحُظوظِ دونَه أمرٌ أَمَرُّ من الصَّبر، فمن لم يصبر على حرِّ الهَوَاجر واﻷمطارِ والثلوج ومشقةِ اﻷسفارِ ولصوصِ الطريقِ، وإﻻّ فﻼ حاجةَ له في المتاجر .
وهذا أمر معلوم عند الناس أنّ مَن صدَقَ في طلب شيء من اﻷشياء بُدِّل من الصبر في تحصيله بقدر صدقِه في طلبِه .
العاشر: أن يَشهدَ معيَّهَ الله معه إذا صَبَر، ومحبَّهَ الله له إذا صَبَر، ورِضاه . ومن كان الله معه دَفَع عنه أنواعَ اﻷذى والمضرَّات ماﻻ يَدفعُه عنه أحدٌ من خلقِه،قال تعالى } : وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ { (46) ) سورة اﻷنفال : (46 ، وقال تعالى : } وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ { (146) ) سورة آل عمران : (146 .
الحادي عشر: أن يَشهد أن الصبرَ نِصفُ اﻹيمان، فﻼ يبدّل من إيمانه جَزاءً في نُصرةِ نفسِه، فإذا صَبَر فقد أَحرزَ إيمانَه، وصانَه من النقص، والله يدفع عن الذين آمنوا .
الثاني عشر: أن يشهد أنّ صبرَه حكمٌ منه على نفسِه، وقَهرٌ لها وغَلَبةٌ لها، فمتَى كانتِ النفسُ مقهورةً معَه مغلوبةً، لم تطمعْ في استرقاقِه وأَسْرِه وإلقائِه في المهالك، ومتى كان مطيعًا لها سامعًا منها مقهورًا معها، لم تزَلْ به حتَّى تُهلِكَه، أو تتداركَه رحمةٌ من ربِّه . فلو لم يكن في الصبر إﻻّ قَهرُه لنفسِه ولشيطانِه، فحينئذٍ يَظهرُ سلطانُ القلبِ، وتَثبُتُ جنودُه، ويَفرَحُ ويَقوَى، ويَطْرُد العدوَّ عنه .
الثالث عشر: أن يعلم أنه إن صبرَ فاللهُ ناصرُه وﻻبُدَّ، فاللهُ وكيلُ من صَبر، وأحالَ ظالمَه على الله، ومن انتصَر لنفسِه وكلَهُ اللهُ إلى نفسِه، فكان هو الناصر لها . فأينَ مَن ناصرُه اللهُ خيرُ الناصرين إلى مَن ناصِرُه نفسُه أعجز الناصرين وأضعفُه؟
الرابع عشر: أن صَبْرَه على من آذاه واحتمالَه له يُوجِبُ رجوعَ خَصْمِه عن ظُلمِه، ونَدامتَه واعتذارَه، ولومَ الناسِ له، فيعودُ بعد إيذائِه له مستحييًا منه نادمًا على ما فعلَه، بل يَصيرُ مواليًا له . وهذا معنى قوله تعالى : } ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) { ) سورة فصلت : (35-34 ).
الخامس عشر: ربّما كان انتقامُه ومقابلتُه سببًا لزيادة شرِّ خصمِه، وقوّةِ نفسِه، وفكرته في أنواع اﻷذى التي يُوصِلُها إليه، كما هو المشاهَد . فإذا صبر وعفا أَمِنَ من هذا الضرر، والعاقلُ ﻻ يختارُ أعظمَ الضررين بدَفْعِ أدناهما . وكم قد جلبَ اﻻنتقامُ والمقابلةُ من شرٍّ عَجَزَ صاحبُه عن دفعِه، وكم قد ذهبتْ نفوس ورِئاسَات وأموال لَو عفا المظلومُ لبقيتْ عليه .
السادس عشر: أنّ من اعتادَ اﻻنتقام ولم يَصبِرْ ﻻبُدَّ أن يقعَ في الظلم، فإنّ النفس ﻻ تَقتصِرُ على قدرِ العَدْل الواجب لها، ﻻ علمًا وﻻ إرادةً، وربما عجزت عن اﻻقتصار على قدرِ الحقَّ، فإنّ الغضبَ يَخرُجُ بصاحبه إلى حدٍّ ﻻ يَعقِلُ ما يقول ويفعل، فبينما هو مظلوم يَنتظِرُ النَّصْرَ وَالعِز، إذ انقلبَ ظالمًا يَنتظِرُ المقتَ والعقوبةَ .
السابع عشر: أنّ هذه المَظْلَمةَ التي ظُلِمَها هي سبب إمّا لتكفيرِ سيئتِه، أو رَفْعِ درجتِه، فإذا انتقمَ ولم يَصبِرْ لم تكنْ مُكفِّرةً لسيئتِه وﻻ رافعةً لدرجتِه .
الثامن عشر: أنّ عفوَه وصبرَه من أكبر الجُنْدِ له على خَصْمِه، فإنّ من صَبَر وعفا كان صبرُه وعفوه مُوجِبًا لذُل عدوِّه وخوفِه وخَشيتِه منه ومن الناس، فإنّ الناس ﻻ يسكتون عن خصمِه، وإن سَكتَ هو، فإذا انتقمَ زالَ ذلك كلُّه . ولهذا تَجِدُ كثيرًا من الناس إذا شَتَم غيرَه أو آذاه يُحِبُّ أن يَستوفيَ منه، فإذا قابله استراحَ وألقَى عنه ثِقﻼً كان يجده .
التاسع عشر: أنه إذا عفا عن خصمِه استشعرتْ نفسُ خصمِه أنه فوقَه، وأنه قد رَبِحَ عليه، فﻼ يزال يرى نفسَه دونَه، وكفى بهذا فضﻼً وشرفًا
للعفو .
العشرون: أنه إذا عفا وصَفَحَ كانت هذه حسنةً، فتُوَلِّدُ له حسنةً أخرى، وتلك اﻷخرى تُولِّدُ له أخرى، وهَلُمَّ جَرًّا، فﻼ تزال حسناتُه في مزيد، فإنّ من ثواب الحسنةِ الحسنة، كما أنّ من عقاب السيئةِ السيئة بعدها .
وربَّما كان هذا سببًا لنجاتِه وسعادتِه اﻷبدية، فإذَا انتقم وانتصرَ زال ذلك ” انتهى
جامع المسائل لشيخ اﻹسﻼم ابن تيمية [ /1 168 - 174 ].

__________
(1) : أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه وغيرهما عن ابن عباس وأنس . انظر “الدر المنثور ” ) 7/359( .
(2) : أخرجه مسلم (2588) عن أبي هريرة .

منقول من شبكة سحاب السلفية.

التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله السرتاوي ; 01Nov2013 الساعة 11:27 سبب آخر: تنسيق
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01Nov2013, 10:24
أبو عبد الله السرتاوي أبو عبد الله السرتاوي غير متواجد حالياً
مشرف - أعانه الله -
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 1,031
افتراضي

نقل طيب مبارك، بارك الله فيك.
__________________
.

الدين مبني على أصلين عظيمين:
[ الاخلاص لله - سبحانه وتعالى -، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يُقبل أي عمل الإ بهما ].

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01Nov2013, 13:19
أبوبكر بن يوسف الشريف أبوبكر بن يوسف الشريف غير متواجد حالياً
حرسه الله
 
تاريخ التسجيل: Sep 2013
الدولة: ليبيا .. طرابلس
المشاركات: 2,863
افتراضي

فيك بارك الله .أخانا أبو عبدالله السرتاوي
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01Nov2013, 14:29
يوسف البشير الشريف يوسف البشير الشريف غير متواجد حالياً
حرسه الله
 
تاريخ التسجيل: Jun 2012
الدولة: ليبيا-ودان
المشاركات: 137
افتراضي

بارك الله فيك على هذا النقل الطيب ، ورحم الله شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم الحرانى ، رحمة واسعة .
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 17:37.


شبكة البيّنــــة السلفية © 2009

a.d - i.s.s.w


Security by i.s.s.w