Follow us Youtube Rss Twitter Facebook
  #1  
قديم 21Jan2020, 13:45
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار غير متواجد حالياً
حرسه الله
 
تاريخ التسجيل: Dec 2013
الدولة: ليبيا
المشاركات: 912
افتراضي كراهة السلف استغلال الطلاب


بسم الله الرحمن الرحيم

كراهة السلف استغلال الطلاب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فلما كانت الدنيا في أيدي سلفنا الصالح ولم تكن في قلوبهم، لم يلتفتوا لها ولم ينظروا إليها فضلا على أن ينغمسوا فيها ويتكالبوا عليها، فطلقوها ثلاثا فبانت من قلوبهم، فلهذا لم يشتروا بالثمين الخسيس، فكفوا أيدهم عما في أيدي الناس، وزهدوا في دنياهم فلم يرفعوا لها رأسا، ولم يقيموا لها وزنا، ولم تحرك منهم ساكنا، فعفوا عن استغلال الطلاب وكفوا عن طلب قضاء الحاجات منهم وترفعوا عن أتفه الأشياء.
وقد جاء التحذير في شريعتنا الغراء عن طلب العلم لنيل حطام الدنيا.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)).
قال سريج في حديثه: يعني ريحها.
أخرجه أحمد في ((المسند)) وأبو داود في ((السنن)) وابن ماجه في ((السنن)).
قال المحدث أحمد شاكر رحمه الله: إسناده صحيح، وصححه الألباني.

وجاء في سيرة نبينا محمد أروع الأمثلة في هذا الباب.
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: لقل يوم كان يأتي على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا يأتي فيه بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، فلما أذن له في الخروج إلى المدينة، لم يرعنا إلا وقد أتانا ظهرا، فخبر به أبو بكر، فقال: ما جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة إلا لأمر حدث.
فلما دخل عليه قال لأبي بكر: ((أخرج من عندك)).
قال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي، يعني عائشة وأسماء.
قال: ((أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج)).
قال: الصحبة يا رسول الله.
قال: ((الصحبة)).
قال: يا رسول الله، إن عندي ناقتين أعددتهما للخروج، فخذ إحداهما.
قال: ((قد أخذتها بالثمن)).
أخرجه البخاري.
((قد أخذتها بالثمن)) هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتورع عن أخذ الناقة بلا مقابل من صاحبه وخير من أخد عنه أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

وهذه جملة من الآثار عن السلف تضرب لنا أروع الأمثلة في ترك استقضاء الحوائج وطلب الحاجات.

لقي عبد الله بن سلام كعب الأحبار عند عمر فقال يا كعب: من أرباب العلم؟
فقال: الذين يعملون به.
قال: فما يذهب العلم من قلوب العلماء بعد إذ عقلوه وحفظوه؟
قال: يذهبه الطمع وشره النفس، وتطلب الحاجات إلى الناس.
قال: صدقت.
ذكره ابن أبي الدنيا في ((القناعة والتعفف)).
وعن ابن الربيع البوراني، قال: (كنت عند عبد الله بن إدريس فلما قمت قال لي: سل عن سعر الأشنان، فلما مشيت ردني فقال: لا تسأل؛ فإنك تكتب مني الحديث، وأنا أكره أن أسأل من يسمع مني الحديث حاجة).
أخرجه الآجري في ((أخلاق حملة القرآن)) ومن طريقه الخطيب البغدادي في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)).
وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: كان ههنا شيخ قال: رأيت على يد أبي عبد الله جربا، فجئت بدواء فقلت: ضع هذا عليه، فأخذه ثم رده، فقلت له: لم رددته؟ فقال: (أنتم تسمعون - يعني مني -).
أخرجه الخطيب البغدادي في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)).
وقال خلف بن تميم: مات أبي وعليه دين، فأتيت حمزة الزيات، فسألته أن يكلم صاحب الدين أن يضع عن أبي من دينه شيئا، فقال لي حمزة: (ويحك إنه يقرأ علي القرآن، وأنا أكره أن أشرب من بيت من يقرأ علي القرآن الماء).
أخرجه الآجري في ((أخلاق حملة القرآن)).
وعن جرير بن عبد الحميد، قال: مر بنا حمزة الزيات فاستسقى الماء وقعد، ودخلت البيت فلما أردت أن أناوله نظر إلي فقال: (أنت هو؟).
قلت: نعم.
قال: (أليس تحضرنا في القراءة؟).
قلت: نعم.
قال: (رده، وأبى أن يشرب، وقام ومضى).
أخرجه الخطيب البغدادي في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)).
وقد بوب الخطيب البغدادي في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) باب من تورع أن يستقضي سامع الحديث منه حاجة.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله كما في ((أخلاق حملة القرآن)): (ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له حاجة إلى أحد من الناس، إلى خليفة فمن دون، وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه).
وقال محمد بن الحسين الآجري في ((أخلاق حملة القرآن)): ((إنه ينبغي لمن كان يقرئ القرآن لله أن يصون نفسه عن استقضاء الحوائج ممن يقرأ عليه القرآن، وأن لا يستخدمه ولا يكلفه حاجة يقوم بها، وأختار له إذا عرضت له حاجة أن يكلفها لمن لا يقرأ عليه وأحب أن يصون القرآن على أن يقضى له به الحوائج، فإن عرضت له حاجة سأل مولاه الكريم قضاءها، فإذا ابتدأه أحد من إخوانه من غير مسألة منه فقضاها، شكر الله؛ إذ صانه عن المسألة والتذلل لأهل الدنيا، وإذ سهل الله له قضاءها، ثم يشكر من أجرى ذلك على يديه؛ فإن هذا واجب عليه وقد رويت فيما ذكرت أخبارا تدل على ما قلت، وأنا أذكرها ليزداد الناظر في كتابنا بصيرة إن شاء الله)) اهـ.

بل كرها بعض السلف أخذ الهدايا من الطلاب فضلا عن طلب قضاء الحاجات.
وعن محمد بن عيسى بن الطباع، قال: أهدوا للأوزاعي هدية أصحاب الحديث، فلما اجتمعوا قال لهم: أنتم بالخيار إن شئتم قبلت هديتكم ولم أحدثكم، وإن شئتم حدثتكم ورددت هديتكم.
أخرجه الخطيب البغدادي في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) ومن طريقه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)).
وعن محمد بن الحجاج، قال: كان رجل يسمع من حماد بن سلمة فركب بحر الصين فقدم، فأهدى إلى حماد.
فقال له حماد: اختر، إن شئت قبلتها ولم أحدثك أبدا، وإن شئت حدثتك ولم أقبل الهدية.
فقال: لا تقبل الهدية وحدثني، فرد الهدية وحدثه.
أخرجه الخطيب البغدادي في ((الكفاية في علم الرواية)).
وعن محمد بن المنذر الكندي وكان جارا لعبد الله بن إدريس، قال: حج الرشيد ومعه الأمين والمأمون، فدخل الكوفة فقال لأبي يوسف: قل للمحدثين يأتونا يحدثونا، فلم يتخلف عنه من شيوخ الكوفة إلا اثنان: عبد الله بن إدريس، وعيسى بن يونس فركب الأمين والمأمون إلى عبد الله بن إدريس فحدثهما بمائة حديث، فقال المأمون لعبد الله: يا عم، أتأذن لي أن أعيدها عليك من حفظي، قال: افعل، فأعادها كما سمعها، وكان ابن إدريس من أهل الحفظ يقول: لولا أني أخشى أن يتفلت مني القرآن ما دونت العلم، فعجب عبد الله بن إدريس من حفظ المأمون وقال المأمون: يا عم، إلى جانب مسجدك داران إذا أذنت لنا اشتريناها ووسعنا بها المسجد، فقال: ما بي إلى هذا حاجة، قد أجزأ من كان قبلي، وهو يجزئني فينظر إلى قرح في ذراع الشيخ فقال: إن معنا متطببين وأدوية، أفتأذن لي أن يجيئك من يعالجك؟ قال: لا، قد ظهر بي مثل هذا وبرأ، فأمر له بمال جائزة فأبى أن يقبله، وصارا إلى عيسى بن يونس فحدثهما، فأمر له المأمون بعشرة آلاف، فأبى أن يقبلها، فظن أنه استقلها فأمر له بعشرين ألفا، فقال عيسى: لا ولا إهليلجة ولا شربة ماء على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو ملأت لي هذا المسجد ذهبا إلى السقف فانصرفا من عنده.
أخرجه الخطيب البغدادي في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) وابن عساكر كما في ((مختصر تاريخ دمشق)) وأبو الفرج النهرواني في ((الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي)).
وقال السمعاني كما في ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي: قرأت بخط هبة الله السقطي أن ابن الدجاجي كان ذا وجاهة وتقدم وحال واسعة، وعهدي به وقد أخنى عليه الزمان، وقصدته في جماعة مثرين لنسمع منه وهو مريض، فدخلنا وهو على بارية، وعليه جبة قد حرقت النار فيها، وليس عنده ما يساوي درهما، فحمل على نفسه حتى قرأنا عليه بحسب شره أهل الحديث، فلما خرجنا قلت: هل معكم ما نصرفه إلى الشيخ؟
فاجتمع له نحو خمسة مثاقيل، فدعوت بنته، وأعطيتها، ووقفت لأرى تسليمها له، فلما أعطته؛ لطم حر وجهه، ونادى: وافضيحتاه: آخذ على حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عوضا؟ لا والله.
ونهض حافيا إلي، وبكى، فأعدت الذهب إليهم، فتصدقوا به.
وقال الحافظ ابن الجوزي رحمه الله في ((مشيخته)): ولد شيخنا أبو الفتح في ربيع الأول سنة اثنتين وستين وأربع مائة بهراة، وكروخ بلدة على عشرة فراسخ من هراة.
وسمع جماعة كثيرة، وكان خيرا، صالحا، صدوقا، مقبلا على نفسه، ومرض ببغداد فبعث إليه بعض من يسمع عليه شيئا من الذهب فلم يقبل، وقال: بعد السبعين واقتراب الأجل آخذ على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا! ورده مع حاجته إليه.
أخرجه البغدادي في ((تاريخ بغداد)) عن أبي سعد بن السمعاني.
وقد حكى أبو سليمان محمد بن عبد الله بن زبر في أخباره كما في ((النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي)) أن أصحاب الحديث أهدوا له هدية فلما اجتمعوا قال لهم: أنتم بالخيار إن شئتم قبلت هديتكم ولم أحدثكم وإن شئتم رددتها عليكم وحدثتكم فاختاروا ردها فردوها وحدثهم.
وقال محمد بن الحسين الآجري في ((أخلاق حملة القرآن)): ((فينبغي لمن يجلس يقرئ المسلمين أن يتأدب بأدب القرآن يقتضي ثوابه من الله عز وجل، يستغني بالقرآن عن كل أحد من الخلق)) اهـ.
وهذه وصية رسول الله عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه.
عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)).
وكنا حديث عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله.
ثم قال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)).
فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله.
ثم قال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)).
قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟
قال: ((على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس، وتطيعوا - وأسر كلمة خفية - ولا تسألوا الناس شيئا)).
فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدا يناوله إياه.
أخرجه مسلم.
وعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يضمن لي واحدة وأضمن له الجنة؟)).
قال: قلت: أنا يا رسول الله.
قال: ((لا تسأل الناس شيئا)).
قال: فكان سوط ثوبان يسقط وهو على بعيره فينيخ حتى يأخذه، وما يقول لأحد ناولنيه.
أخرجه أحمد في ((المسند)) وابن ماجه في ((المسند)) وصححه الألباني.

فهذا حال سلفنا الكريم عزة نفس عن التطلع فيما عند الناس.
أما من استغل الطلاب وركب على اكتافهم بكثرة بالمؤلفات وأكل العائد عليه من المبيعات، فهؤلاء لم يسروا على هدي السلف في كراهية استغلال الطلاب في استقضاء الحاجات.
هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الثلاثاء 26 جمادي الأول سنة 1441 هـ
الموافق لـ: 21 يناير سنة 2020 ف

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:55.


شبكة البيّنــــة السلفية © 2009

a.d - i.s.s.w


Security by i.s.s.w